التقارير السلاسل المنهجية من نحن طلب إحاطة

«السلاسل» هي الإصدارات المعرفية المعمّقة لـ«مجموعة كور»، والمتاحة للعموم. تتألف من ثلاثة مسارات للكتابة والحوار، تُنتج كجزء عضوي من الممارسة التحليلية للمجموعة، وتُنشر متى اكتمل نضوجها وليس وفق جدول زمني مسبق.

تُعلن هذه الوثيقة الغاية من «السلاسل»، وما تلتزم به، وما ترفض المساومة عليه. إنها الإطار التحريري الناظم لمسارات Polemos، وفن الحكم، وابن ميمون. وُضعت لتكون مرجعاً للقرّاء الساعين لفهم طبيعة العمل الذي تنجزه المجموعة هنا، وللمحررين الذين سيرثون هذا المشروع مستقبلاً ليتذكروا دائماً غايته الأولى.

تأسست المجموعة لإنتاج تحليلات استراتيجية موجهة لصنّاع القرار حول المشرق والمنطقة الأوسع. يأخذ هذا الجهد شكلاً تشغيلياً عبر الموجزات: التقارير اليومية، الملفات المصدرية، التقديرات، ومنصة «تَقارُب»؛ وهو عمل يُعايَر بدقة ليواكب تسارع الأحداث. ومع ذلك، فإن التحليل التشغيلي السريع، مهما بلغ انضباطه، يعجز عن طرح أسئلة بعينها؛ إذ يُضطر للتعامل مع مفاهيم موروثة، والعمل ضمن أطر سياسية مفروضة سلفاً، دون رفاهية التوقف لمساءلتها أو تفكيك ما تحجبه عن الرؤية.

وُجدت «السلاسل» لأن هذه الأسئلة جوهرية وحقيقية، ولأن مؤسسةً تُنتج تحليلاً تشغيلياً رصيناً هي الأقدر والأحق بطرحها.

الميدان

تتموضع «السلاسل» في ميدانين أساسيين:

الأول هو «تحويل النزاع في المشرق». لا نستخدم هذه العبارة عبثاً؛ فالمجموعة لا تنظر إلى النزاع كمشكلة تُحلّ عبر تفاوض بين مواقف جامدة، بل كمنظومة من العلاقات السياسية والاجتماعية التي يمكن «تحويلها» عبر انخراط مستدام ومتعدد المستويات. يعي عملنا الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية، ويلتزم بالسؤال الأبعد مدى: كيف نُغيّر الشروط البنيوية التي تُعيد إنتاج النزاع؟ إن المشرق (لبنان، وفلسطين، وإسرائيل، وسوريا، والأردن، وفضاء ما بعد الحقبة العثمانية الذي شكّل وعينا بها جميعاً) يطرح أسئلة استراتيجية لا يمكن الإجابة عنها إلا عبر هذا النهج.

الميدان الثاني هو «مشروع بناء الدولة في لبنان». إن اختيارنا لهذه العبارة مقصود بدقة. فبناء الدولة لا يعني إعادة إعمارها، ولا إصلاحها، ولا تعافيها؛ فتلك المصطلحات توهم بوجود دولة عملت بانتظام في الماضي ويمكن العودة إليها. أما «بناء الدولة» فيُسمّي التحدي باسمه الحقيقي: المساءلة المستمرة عن طبيعة الدولة التي يمكن أن يغدو عليها لبنان، والشروط السياسية والاقتصادية الحاضنة لها، وهندستها المؤسسية، وطبيعة علاقتها بالنظامين الإقليمي والعالمي المقيدين لها. إنه سؤال بعيد الأفق، لا يُعالج بترقيع تكنوقراطي ولا بإدارة أزمات انفعالية، بل يتطلب جهداً تراكمياً تضطلع المجموعة بجزء أساسي منه.

يُشكّل لبنان، بوصفه مشروع بناء دولة، عدسة كاشفة لفهم حالات مقارنة أخرى (كدول ما بعد الانهيار، واقتصادات ما بعد النزاع، والإرث المؤسسي لحقبة ما بعد الإمبراطوريات). تشتبك «السلاسل» مع هذه الحالات كلما أسهمت في جلاء المشهد اللبناني، أو كلما كان النموذج اللبناني مفتاحاً لفهمها.

المسارات الثلاثة

ثلاثة أنماط من العمل المعرفي، يُؤدي كلٌّ منها دوراً تعجز عنه المسارات الأخرى:

مسار Polemos: هو النقد الفلسفي. ينصبّ عمله على تفكيك المفاهيم التي يُقرأ النزاع من خلالها: الثنائيات الموروثة، المصطلحات، التحقيب الزمني، والترسانة المفاهيمية التي يتبناها التحليل التشغيلي كمسلّمات. يُخضع كل إصدار إحدى هذه المسلّمات لاختبار الصلابة: هل حقاً يُضيء هذا الإطار المشهد أم يُعتمه؟ هل تؤدي هذه المفاهيم وظيفتها التحليلية المزعومة؟ وهل ما نُصنفه حرباً، أو سلماً، أو تسويةً، يتطابق فعلاً مع افتراضاتنا؟

يمتد نطاق Polemos إقليمياً وعالمياً. يُكتب من بيروت متجذراً في فضاء ما بعد الحقبة العثمانية، ليشتبك مباشرة مع المدارس الفكرية التي هندست مفاهيمنا (الفلسفة السياسية، دراسات النزاع، أدبيات نشوء الدول وتفككها، ودراسات ما بعد الكولونيالية) بدلاً من استعارة قشورها. هنا، حين نذكر مدرسة فكرية، فإننا نشتبك معها بجدية؛ وحين نستخدم مفهوماً، فإننا نضعه تحت مجهر المساءلة.

يتموضع دور Polemos ما قبل التحليل التشغيلي. هو لا يقترح سياسات جاهزة ولا يبتكر حلولاً للمشاكل المباشرة؛ بل يمهّد مساحات مفهومية صلبة لتُبنى عليها المقترحات لاحقاً، أو يعرّي القصور في الأطر التي تستند إليها السياسات الحالية.

مسار «فن الحكم»: هو العمل السياساتي. يُمثل الجسر الممتد بين التفكير والفعل. يُشخّص كل إصدار خللاً بنيوياً في بنية الدولة اللبنانية (أو في دول خاضعة للمقارنة)، ليخرج إما باقتراح محدد المعالم أو بامتناع مقصود عن الاقتراح. وحين يقترح، فإنه يفعل ذلك بواقعية تعترف بالقيود: من سيبني؟ ومن سيقاوم؟ ما هي الهندسة الرقابية التي تحصّن هذا المقترح؟ وما هي سيناريوهات الفشل المحتملة؟ أما حين يمتنع عن الاقتراح، فإن الامتناع بحد ذاته يُصبح هو الموقف والحُجّة.

يستمد «فن الحكم» جذوره من الممارسة التحليلية والتشغيلية للمجموعة. ترتكز أعداده على الملفات المصدرية، التقديرات، تقييمات الأضرار، وبيانات المعايرة التي أنتجتها المجموعة. الارتباط هنا عضوي ومرئي: يمكن للقارئ تتبّع الخيط الناظم من الرصد الميداني وصولاً إلى التشخيص السياساتي. هذا المسار لا يُكتب بالاعتماد على المقابلات السطحية أو أدبيات التنمية الإنشائية، بل يُنحت بأدوات تحليلية سيادية طوّرتها المجموعة.

يتموضع دور «فن الحكم» في المسافة الفاصلة بين التحليل التشغيلي واتخاذ القرار. يقارب التحديات السياساتية من منظور الاقتصاد السياسي الصارم: من المنتفع من الترتيبات الراهنة؟ ومن الخاسر من الإصلاحات المقترحة؟ مَن هي القوى الواجب تحييدها لتمرير أي مقترح؟ وما هي آليات الرقابة الضامنة لاستدامته؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تعقيدات تُضاف لاحقاً، بل هي صُلب العمل السياساتي الموثوق.

مسار «ابن ميمون»: هو الحوار المعمّق. تحتضن هذه الصيغة فكراً متحرراً من قوالب النصوص الجامدة: محادثة مستدامة مع محاور واحد في كل حلقة، لسبر أغوار الأسئلة التي تعجز الكلمات المكتوبة عن الإحاطة بها. نستضيف قامات من مختلف أنحاء المنطقة وتنوع المجالات: منظّرين سياسيين، مؤرخين، خبراء ميدانيين، علماء، مفكرين دينيين، رجال دولة، ومعارضين. الغاية هي استضافة عقول تتجاوز الطرح السائد والمُعلّب في دوائر الشرق الأوسط التقليدية.

المجموعة تتيح المنصة، والمحادثة ملك للمحاور. لا تُلزم هذه الصيغة المجموعة بتبنّي آراء ضيوفها، ولا تُلزم الضيف بالاصطفاف خلف أدبيات المجموعة. الميثاق الوحيد لـ«ابن ميمون» هو الغوص في عمق الأفكار، واتساع طيف الآراء، والالتزام التحريري الصارم برفض تسطيح الفكر الاستراتيجي وتحويله إلى مقاطع مجتزأة لغايات الانتشار السريع.

الالتزامات التحريرية

تُلزم «السلاسل» نفسها بمعايير صارمة تُحدد ما يرتقي للنشر وما يُستبعد:

صلابة الحُجّة قبل التنظير: يجب أن يستند كل عمل إلى أطروحة قابلة للدفاع. عمليات إعادة التأطير الخالية من الأطروحات، والمقترحات المُبهمة، والحوارات المشتتة، لا مكان لها هنا.

الصرامة والتوثيق: حين نُشير إلى بحث علمي، فإننا نُفكّكه ونشتبك معه. وحين نُطلق ادّعاءات تجريبية، فإننا نُسندها بالأدلة. وحين نرتكز على مدارس فكرية، فإننا نُعالج حُججها الفعلية ولا نكتفي باستعارة مصطلحاتها.

القابلية للدحض المعرفي (حيثما انطبق): تلتزم أعداد «فن الحكم» بتقديم مؤشرات تتيح قياس ودحض ادعاءاتها المؤسسية. وتُدافع أعداد Polemos عن طروحاتها التاريخية أو التجريبية بمستوى الأدلة الصارم الذي تتطلبه. أما حلقات «ابن ميمون»، فتُحاسب بمعيار النزاهة في الطرح والعمق في الانخراط.

الشفافية في التأليف: يحمل كل إصدار بصمة التوجيه التحريري الذي تبلور ضمنه. وفي حالات الإنتاج المشترك، يُشار بوضوح للقيادة التحريرية؛ لضمان الموثوقية ونسبة الجهد المعرفي لأصحابه.

جودة المخرجات: تخضع هذه السلاسل لذات المعيار الصارم الذي يُطبق على أعمالنا التحليلية التشغيلية. لا نقبل بأي تفاوت في الجودة بين المسارين.

أولوية النضوج على الإيقاع الزمني: لا تخضع «السلاسل» لضغوط الجدولة. يُنشر العمل لحظة اكتمال نضوجه فقط. الوعود بجدول زمني منتظم لا تُشكل جزءاً من إطارنا التحريري؛ فالانضباط الحقيقي يكمن في جودة العمل نفسه.

ما ترفضه السلاسل

تُعتبر هذه الموانع جزءاً لا يتجزأ من هويتنا التحريرية. نُوثّقها هنا لتكون واضحة أمام القراء، ولتُشكّل خطوطاً حمراء للمحررين في المستقبل.

لا تنشر السلاسل أعمالاً بتكليف خارجي: تضطلع المجموعة بإعداد تحليلات واستشارات لعملائها، لكن هذه المخرجات تذهب لقنواتها المخصصة (الموجزات، التقارير الخاصة، والاستشارات). ولن تتسلل إطلاقاً إلى مسار «السلاسل» لتعبر عن صوت المجموعة التحريري. «السلاسل» هي المنبر الخالص لأجندة المجموعة الفكرية، ولا تخضع لأجندة أي عميل أو ممول.

لا تلهث السلاسل خلف أجندات المانحين: تُطرح القضايا هنا لأن رصدنا التحليلي أثبت حيويتها، أو لأن القيادة التحريرية أدركت أهميتها، أو لأن تموضعنا الإقليمي يمنحنا أفضلية معالجتها. نحن لا نُفصّل مواضيعنا لتتطابق مع شروط تمويل خارجية، ولا ننجرّ خلف «الموضة» الرائجة في الأسواق الأكاديمية والسياساتية.

لا نختبئ خلف استعراض المفردات: لا يضطر Polemos لحشد المصطلحات الفلسفية المعقدة ليبدو رصيناً، ولا يتسوّل «فن الحكم» لغة الموجزات السياساتية ليحظى بالاحترام. المخرجات هنا تفرض هيبتها من خلال عمق الجهد المبذول وتفكيك الواقع، وليس عبر الزخرفة اللفظية.

العلاقة بالعمل التشغيلي

تُمثل «مجموعة كور» كياناً عضوياً واحداً يعمل عبر واجهتين متكاملتين.

الواجهة التشغيلية (الموجزات): مسار يُنتج تحليلاً مُعايَراً على إيقاع العمليات الميدانية ويجيب عن: ما الذي حدث؟ ما الذي يتغير؟ ما هو المسار المُرجح؟ وأي المؤشرات يجب رصدها؟ إنها مخرجات شديدة الحساسية للوقت ومقادة بديناميكية الأحداث، مصممة لدعم صنّاع القرار (دبلوماسيين، مسؤولين، مستثمرين، وصحفيين) الذين يحتاجون للتحرك الآني بناءً على معطيات دقيقة. تُحجب غالبية هذه المواد لتُتاح للقرّاء المؤسسيين المؤهلين فقط، ويُستثنى منها أعمال مختارة تُنشر للعموم كبرهان على صلابة العمل.

الواجهة المعمّقة (السلاسل): مسار معرفي لا يرتهن لسرعة الإيقاع التشغيلي. يُنتج نقداً فلسفياً، وتشخيصاً سياساتياً هيكلياً، وحوارات مستدامة. يستهدف القرّاء المهتمين بفهم الأطر المفاهيمية التي تتوالد ضمنها الأحداث الراهنة، والباحثين عن تحليل سياساتي يقارب الواقع وقيوده بتجرّد، والساعين خلف حوارات لا تُسطّح التعقيدات لصالح سهولة الانتشار.

هاتان الواجهتان ليستا تكراراً لبعضهما، ولا نسختين تختلفان في الطول وحسب؛ بل تضطلعان بوظائف مختلفة تماماً، بإيقاعات متباينة، وتستهدفان أغراضاً استراتيجية متقاطعة. القارئ الذي يتابع نتاجنا التشغيلي، سيجد في «السلاسل» الإجابات المفاهيمية التي لا يسمح وقت العمليات بمساءلتها. والمُفكّر الذي يبدأ من «السلاسل»، سيلمس فيها انعكاساً لصلابة العمل التشغيلي الذي يُمثل مصدر القوة التحليلية للمجموعة. بكلمات أخرى: كل واجهة تزيد الأخرى جلاءً.

تتموضع «مجموعة كور» في المسافة الجامعة بين الواجهتين. نحن لسنا دار أبحاث سياساتية تُصدر المقالات بين الحين والآخر، ولسنا مجرد دورية تُصدر تقييمات تشغيلية في أوقات الفراغ. نحن مؤسسة تحليلية تفرض عليها منهجيتها الصارمة إنتاج كِلا النوعين من العمل لضمان دقة وشمولية التحليل.

الختام

تُعد «السلاسل» مشروعاً استراتيجياً بعيد المدى. الأثر الذي نبتغيه لن يتجلى بمجرد قراءة إصدار منفرد، بل سيتبلور عبر مساره التراكمي: الفهرس المعرفي الذي يتضخم عبر السنوات، الصرامة التحريرية التي تثبت جدارتها مع توالي الإصدارات، التضافر العضوي الذي ينضج بين المسارات الثلاثة، المحادثات التي سيُثيرها «ابن ميمون»، التحديات السياساتية التي سيتصدى لها «فن الحكم» ويُحاسب عليها، والجهد الفلسفي الذي سيضخه Polemos في شرايين المدارس الفكرية التي نحترمها لدرجة الاشتباك معها بنديّة بدلاً من استنساخ قوالبها.

هذه الوثيقة هي الإطار الناظم الذي يمضي ضمنه هذا العمل. سيخضع للتنقيح متى ما صقلت التجربةُ الميدانية أدواتنا، وسنقاتل لحمايته من أي انحراف قد يتهدد استقلاليته. سيبقى هذا الميثاق المرجعَ الأول للقراء والمحررين الساعين لمعرفة ما أُريد لـ«السلاسل» أن تكونه، والمآل المعرفي الذي صُممت لتبلغه.

مجموعة كور · بيروت · أيار 2026